محمد عبد الله دراز
198
دستور الأخلاق في القرآن
قانون من قوانين الطّبيعة ، يخضع له الفرد خضوعا سلبيا ، ويطبقه تطبيقا أعمى . ومعنى ذلك ، أنّ ( الإلزام ) الصّرف يقابله بالضرورة انتفاء للحرية ، وخضوع تام . ولكن ، ما جدوى هذا الضّمير حينئذ ؟ الضّمير الّذي لن يغير حضوره أو عدمه شيئا في مجرى الأمور ؟ وإذا نحن اتجهنا إلى الطّرف الآخر ، وأرضينا الفرد العامل بمنحه حرية كاملة في الاختيار والتّصرف ، فستكون النّتيجة عكسية ، إذ سوف يتحول « الأمر » إلى مجرد « نصيحة » يمكن أن نقبلها أو نرفضها ، بحسب تقديراتنا الشّخصية . ما الّذي يجب علينا أمام هذه الدّواعي المتعارضة ؟ هل يجب أن ننحاز إلى أحد الجانبين ، أو نحاول التّوفيق بينهما ؟ وإذا تعين الاختيار فأي الاتجاهين نختار ؟ وإذا تعين التّوفيق فعلى أي أساس يكون ؟ . تلكم هي المشكلة الّتي تتطلب حلا ، ولننظر الآن كيف اختلفت حلولها . وفي السّطور التّالية ، حتّى نهاية الفصل سوف نهتم ببيان كيف أنّ الحلّ القرآني يمكن أن يعتبر توفيقا منصفا لجميع الأطراف الحاضرة في القضية ، على حين أنّ لدى النّظريات العادية اتجاها متفاوتا في مقداره ، نحو اختيار أحد طرفي التّعارض ، أو الآخر . ولسوف نقصر الفقرة التّالية - الّتي خصصناها للخاتمة - لنقوم بإثبات الشّق الأوّل من هذه الدّعوى المزدوجة ؛ ونبدأ الآن بالشق الثّاني ، لنبرز الصّعوبات الّتي تصطدم بها نظريتان سائدتان ، نقدمهما هنا مثلين نموذجين ، لاتجاهين متطرفين ، أحدهما يمثل السّلطة الصّارمة للواجب العام ، والآخر يدافع عن